عثمان بن جني ( ابن جني )

162

الخصائص

ما كثر استعماله ، وهو اللغة الحجازية ؛ ألا ترى أن القرآن بها نزل . وأيضا فمتى رابك في الحجازيّة ريب من تقديم خبر ، أو نقض النفي فزعت إذ ذاك إلى التميميّة ؛ فكأنك من الحجازيّة على حرد " 1 " ، وإن كثرت في النظم والنثر . ويدلّك على أن الفصيح من العرب قد يتكلّم باللغة غيرها أقوى في القياس عنده منها ما حدّثنا به أبو علىّ رحمه اللّه قال : عن أبي بكر عن أبي العباس أن عمارة كان يقرأ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ [ يس : 40 ] بالنصب ؛ قال أبو العباس : فقلت له : ما أردت ؟ فقال : أردت ( سابق النهار ) قال فقلت له فهلا قلته ؟ فقال : لو قلته لكان أوزن . فقوله : أوزن أي أقوى وأمكن في النفس . أفلا تراه كيف جنح إلى لغة وغيرها أقوى في نفسه منها . ولهذا موضع نذكره فيه . واعلم أنك إذا أدّاك القياس إلى شيء ما ، ثم سمعت العرب قد نطقت فيه بشئ آخر على قياس غيره ، فدع ما كنت عليه ، إلى ما هم عليه . فإن سمعت من آخر مثل ما أجزته فأنت فيه مخيّر : تستعمل أيّهما شئت . فإن صحّ عندك أن العرب لم تنطق بقياسك أنت كنت على ما أجمعوا عليه البتة ، وأعددت ما كان قياسك أدّاك إليه لشاعر مولّد ، أو لساجع ، أو لضرورة ؛ لأنه على قياس كلامهم . بذلك وصّى أبو الحسن . وإذا فشا الشئ في الاستعمال وقوى في القياس فذلك ما لا غاية وراءه ؛ نحو منقاد اللغة من النصب بحروف النصب ، والجرّ بحروف الجرّ ، والجزم بحروف الجزم ، وغير ذلك مما هو فاش في الاستعمال ، قوىّ في القياس . وأمّا ضعف الشئ في القياس ، وقلّته في الاستعمال فمرذول مطّرح ؛ غير أنه قد يجيء منه الشئ إلا أنه قليل . وذلك نحو ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر : اضرب عنك الهموم طارقها * ضربك بالسيف قونس الفرس " 2 "

--> ( 1 ) الحرد : المنع ، والغيظ والغضب . ( 2 ) البيت من المنسرح ، وهو لطرفه بن العبد في ملحق ديوانه ص 155 ، وخزانة الأدب 11 / 450 ، والدرر 5 / 174 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 933 ، وشرح المفصّل 6 / 107 ، ولسان العرب ( قنس ) ، ( نون ) ، والمقاصد النحوية 4 / 337 ، ونوادر أبى زيد ص 13 ، وبلا نسبة في الإنصاف 2 / 565 ، وجمهرة اللغة ص 852 ، 1176 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 82 ، وشرح الأشمونى